ابن سبعين
407
رسائل ابن سبعين
ارتفع ، ارتفع حكم التكليف عنه ، وهو العقل ، وهذا الثاني مثله فهذا مذهب العرف ، وهذا بعيد عنه بما ذكر من معلوم الأمر والنهي من حملها على معلوم الشروط المذكورة ، ومن ارتباط بعض لواحق الأول مع الثاني في مدلول التكليف ، ومن حيث الرجوع عن الزلات واكتساب الخيرات المعنوية الشرعية الداخلة تحت جنس الأحكام الخمسة الفقهية التي فصلها الانقياد الخاص للأمر المشار إليه بأمر ماهيته التحليل والتحريم ، وميزها من غيرها ، وعرف المأمور المنكر الذي اشترك مع غيره ، وخصص مهمل شأنه ، وأحكم مجمل تقييده صح فيها أعني : في التوبة اسم الشرع واللغة معا ، فافهم ، وتصفح كلامي ، فإنه يصعب من جهة ، ويسهل من جهة أخرى ، وكذلك كل كلام صناعي مفيد يجذب البرهان ، ويرفع الإقناع الذي لا يقين فيه « 1 » . وجملة الأمر : التوبة الشرعية لا تصح إلا بتقيد ، ومقيّد ، ومقيّد ومشار ما إليه يتعلق به مفهوم الخوف والرجاء ، ومحرك لها ، وإقرار بوجودها وثبوتها ، وإيمان بقوتها اللازم وبوقتها
--> ( 1 ) إن كل من تاب ، وندم على ما مضى مع دوامه على ما صفى ، ولكن يكون من نفسه بأن يكون لنفسه حظا في التوبة فقصدها بنفسه لا باللّه نقض العهد بالرجوع إلى ما مضى وتاب منه ، ولا يثبت على التوبة ، ولا يمكث فيها ؛ لأن قصد التوبة حقا يكون بهوى النفس ، وهي لا تطلب إلا الشرّ أو ما هو من جهته لكونها مجبولة على ضدّ الخير ، فلا يثقل عليها إلا الحق ، فلا يطلب إلا الناقص ، أو ما لحقته العلل والأغراض ، وهو وإن كان حقّا وخيرا ، لكن بسبب العلل والأغراض يصير باطلا وشرّا ؛ إذ بالعوارض ينتقل الخير إلى الشرّ والشر إلى الخير ، كما مرّ في أول الكتاب بعد تمام الديباجة ، فكل ما أنت فيه مصحوب بالالتفات والقصد فلا يتم لك ، ولو تم ينقطع التفاتك وغرضك ، فكل من تاب من نفسه وإن كانت التوبة باب الأبواب للدخول في الحضرة الإلهية ، فلا يستقيم عليها فينقضها فيجب عليه التوبة إمّا على السّعة ، أو على الضيقة وهو الأصح ؛ إذ التوبة فورية على المعتمد من نقض التوبة . ولهذا قال الشيخ كما مرّ في أول الكتاب : ( خف من كل مالك فيه نية ، ولو كان طاعة ) بخلاف ما إذا كان مقهورا في التوبة ، ولا يكون له قصد من النفس فيها فإنه حقا تاب اللّه عليه ، فلا يكون فاعلا لما هو طالبه ، بل هو فاعل لما هو مطلوب منه فيتم أمره ، ويثبت على توبته ولا ينقضها ، ويمكث فيها أبدا وهو موجب للمكث والخلود في الجنة قال اللّه : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [ الكهف : 2 ، 3 ] . والأجر الحسن الجنة بدليل قوله : ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [ الكهف : 3 ] . فانس أيها التائب قصدك وهوى نفسك ؛ لأنه تعالى أعرف بمصالحك من توبتك وعدم توبتك وغير ذلك من سائر الأفعال ، فلا تعمل إلا به ولا تريد إلا بإرادته ، والمقصود أن تفنى عنك وتبقى باللّه حتى تتقرب إلى اللّه .